،                    
المعارف الشعبية المرتبطة بالنبات
المعارف الشعبية المرتبطة بالنبات

في جبال عسير على سبيل المثال نجد أشجار التين ويطلق عليها شجر “الحماط”، وهذه الأشجار نبتت نبتاً ربانياً في الطرقات والجبال والآبار، ورغم الحب الشديد لثمار التين إلا أنه كان هناك خوف شديد يسيطر على الناس ليلاً من هذه الأشجار! لاعتقادهم بأن الجان يسكنها كما يسكن الآبار..

إن لكل بيئة خصوصية تتسم بها حسب تنوع خطوط الطول والعرض، والمرتفعات والصحراوات وتنوع التربة وبالتالي المناخ. ونعتقد بأن خزان هذه الأرض ينضح بها نبتها بكل خصائصها ومعادنها وحتى رائحتها، فمن منا تأمل نبتة صغيرة ترف في حضن صخرة صماء؟ هل اقتربنا منها؟ هل تلمسنا سطح وريقاتها؟ هل شممنا رائحتها؟ من منا تساءل عن محتواها وعما يمكن أن تخرجه من جوفها من نفع؟! شيء غريب وعجيب أن نلقى كل هذه النباتات التي بين أقدامنا بنظرة شمولية غير عميقة، ذلك أنه إذا تأملناها ووقفنا ملياً أمام روعة ألوانها وتدرجات طيفها حتماً سنشعر بشيء من الهدأة والراحة وعمق الفلسفة التي تتركها في ذواتنا.

هذا بالنسبة للعامة من الناس، أما المتخصصين والدارسين والكليات المتخصصة فبكل تأكيد يدركون ذلك ويحرصون عليه.

لقد حبا الله المملكة حياة نباتية زاخرة ومتنوعة ومدهشة، قد يرجع ذلك لاتساع رقعتها وتنوع مناخها بين صحراوات وجبال ووهاد ووديان وأماكن ماطرة وأخرى جافة، وقد اهتمت الدولة بهذه المعارف النباتية وأولتها جل اهتمامها على الرغم من أن كثيراً منا لا يدرك ذلك. فأنشئت المحميات الطبيعية الكبيرة والكثيرة، والتي تزخر بعديد الثروات من حيوانات نادرة ونباتات وطير وزواحف تجعل المملكة في تعداد المحميات العالمية، فالمحازة على سبيل المثال في غرب المملكة منطقة ثرية بما فيها، حيث تجمع ذلك الإرث البكر والمخزون الطبيعي من هذه النوادر في العالم، فتغطيها أشجار السرو والقرض والسَمْر، أما نباتاتها النادرة فهي نباتات صحراوية كالرمت، والعوسج، والتمام، والسدر، كما أن صحراء نجد تحفل بنباتات كالخزامى طيب الرائحة، والنفل والأقحوان والعضيض والبهق والسعدان والكَحل والعشرق والتنوم والحميض. كما أن شجر الأراك يغطي غابات تلك المناطق، أما أشجار الغضى والأثموم وأشجار الطلح والبان والحرمل والطرفا والعشار، فهي من أشجار منطقة العروق جنوب سلسلة جبال طويق وعلى الحافة الغربية للربع الخالي، أما أشجار الصندل والسنط واللبخ أو الصومل، واللوز، والتين الشوكي “البرشوم” والعرعر والقَبَلة، والكادي فهي من طبيعة المنطقة الجنوبية وخاصة سفوح جبل شدا، والذي يعانق السحاب بقمته المرتفعة، ويعتم بالضباب طيلة العام مما جعله أرضاً خصبة للغابات والحشائش كاليانسون والعُثْرب والنشار الذي يمتصه النحل مكوناً ينابيع من العسل التي تنسل من بين الأشجار والكادي، والريحان، والبعيثران، والخروع، والورد البلدي.

والقادم في فصل الربيع إلى هذه المنطقة يشاهدها مغطاة بزهور اللوز في منظر رائع وخلاب، كما يوجد العديد من النباتات الطبية والعطرية النادرة ذات الطبيعة البكر، وجبل شدا هو الجبل الذي صلى به سيدنا إبراهيم عليه السلام، وبذلك صُنف أنه أعلى مصلى في العالم من قبل الباحثين وعلماء الجيولوجيا، حيث يبلغ ارتفاعه ألفين وأربعمئة متر فوق سطح البحر، ومن غرائب هذا الجبل أنه مخزن لمادة الياقوت الأحمر كما أكد ذلك الباحثون وعلماء الجيولوجيا وهذا ما وجدناه في بعض المخطوطات.

ولقد اعتمد العربي على النباتات كثيراً، حيث كانت تمثل له الوعاء الذي لا ينضب من المنافع، سواء على مستوى الأعمال المنزلية أو الأعمال الطبيعية والتداوي بها أو التفاؤل والتبرك أحياناً، فإذا نظرنا إلى اعتماد البدوي أو القروي -على حد سواء- على النباتات نجد شأنه شأن الإنسان منذ بدء الخليقة أو بدء النشأة الإنسانية، حيث يتخذ من الأشجار وسيقانها بيوتاً، ومن أوراقها أوانٍ وأدوات، وأحياناً تصل إلى حياكة الملابس، مثل: الطفشة والقفاف، والخصف (الحصر) وغيرها، ولكن هناك بعض الخصوصيات لهذه المنطقة في كيفية التعامل مع بعض النباتات عدا النباتات الاقتصادية مثل الذرة والقمح والشعير… إلخ.

فخصوصية البيئة تتضح في استخدام نباتات خاصة، تحمل خصوصية الأرض، وخصوصية خطوط الطول والعرض والتقائهما معاً. ففي جبال عسير على سبيل المثال نجد أشجار التين ويطلق عليها شجر “الحماط”، وهذه الأشجار نبتت نبتاً ربانياً في الطرقات والجبال والآبار، ورغم الحب الشديد لثمار التين إلا أنه كان هناك خوف شديد يسيطر على الناس ليلاً من هذه الأشجار! لاعتقادهم بأن الجان يسكنها كما يسكن الآبار، وهذا يرجع إلى كثافة هذه الأشجار وضخامة حجمها وحلكة أوراقها فتصدر أصواتاً مع الريح الشديدة ليلاً، مما يعمق هذا المعتقد في نفوس الناس بأنها أصوات الجن، كما أن الآبار شديدة الأعماق حتى تبدو مجهولة القرار فيعمق هذا المعتقد، بالإضافة إلى صوت الريح داخل هذه الآبار الذي يهز سكون الليالي، ومن هنا تجذر ذلك الاعتقاد بأن الجن تسكن الآبار وأشجار التين.

ولا نستطيع حصر أنواع نباتات هذه المناطق لكثرة تنوعها، وإنما هناك نباتات شديدة البروز في تناول أبناء هذه المناطق لها، واستخدامها في أغراض عديدة.

أما إذا تناولنا الطب الشعبي واستخدام أبناء البادية والقرى للنبات في العلاج، فإننا نستطيع القول إن أبناء الجزيرة كانوا يستغلون جميع الأعشاب والأشجار للتداوي دون استثناء، وذلك مثل: “المُر” والضمع والحوار والحبة السوداء.. إلخ، كما أنها كانت تعد تجارة رائجة في أسواق العرب ومصدراً من مصادر اقتصادها.

نقلاً عن “الرياض

أترك تعليق

          جميع الحقوق محفوظة لشات الرياض - ll6.in      
Generated by Feedzy