،                    
النفط بين واقع الغزو الروسي لأوكرانيا وشبح الركود الاقتصادي
النفط بين واقع الغزو الروسي لأوكرانيا وشبح الركود الاقتصادي

ليس هناك انقطاع أو انخفاض في صادرات النفط الروسية حتى الآن، إلا أن أسعار النفط ارتفعت في الأيام الأخيرة بعدما زادت مخاطر انخفاض الإمدادات بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا. العقوبات الحالية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تتضمن طرد بعض البنوك المحلية من نظام “سويفت”، لم تؤثر مباشرة في قطاع النفط والغاز، ولكنها أثرت بشكل غير مباشر. فها هي شركة النفط البريطانية تتخارج من استثماراتها في روسيا، كما أن أحد البنوك المحلية الذي تضمنته العقوبات تستخدمه شركة “إكسون موبيل” الأميركية لدفع رواتب الموظفين ورواتب التقاعد وكل ما له علاقة بذلك. ولعل أهم أثر غير مباشر هو رفض البنوك الأوروبية إصدار رسائل ضمان للمصافي التي ترغب بشراء النفط الروسي، تخوفاً من فرض عقوبات لاحقاً، فانخفضت أسعاره، وتجاوز الانخفاض 10 دولارات للبرميل.
إلا أن انخفاض صادرات النفط الروسية لأي سبب، سيرفع أسعار النفط حتى تقوم دول الخليج بزيادة الإنتاج بشكل كبير في شهر مايو (أيار) المقبل، كما كان مخططاً له منذ يوليو (تموز) الماضي.

الخوف من رد فعل بوتين

العقوبات الأوربية – الأميركية محدودة بسبب اعتماد دول عدة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على واردات النفط والغاز من روسيا. فاعتماد الدول الأوروبية على الغاز الروسي تجاوز نسبة 50 في المئة من إجمالي استهلاك الغاز قبل بدء الغزو، كما بلغ اعتماد الدول الأوروبية نحو 27 في المئة من إجمالي استهلاك النفط. وتستورد الولايات المتحدة مئات ألوف براميل النفط الخام والمنتجات النفطية من روسيا. كما تعتمد على واردات أخرى من روسيا وأوكرانيا، مثل المعادن والحبوب والأطعمة وبعض المنتجات الصناعية. تضييق الخناق على بوتين بتبني حظر كامل أو طرد كامل من نظام “سويفت” قد يؤدي إلى قيام بوتين بوقف صادرات الغاز إلى بعض الدول الأوروبية. كما قد ينتج عنه شن موالين للنظام الروسي هجمات سيبرانية ضخمة على البنوك الغربية، ومنشآت البنية التحتية، بما في ذلك منشآت الطاقة مثل محطات الكهرباء والأنابيب.
لهذا لا يُتوقع أن يتم تبني عقوبات أشد من ذلك، لأنها لن تؤدي إلى انزعاج المواطنين الغربيين فقط، ولكنها قد تسهم في إحداث ركود اقتصادي، والانتخابات الأميركية على الأبواب.

المواقف الغربية قد تتغير، بخاصة أنها تغيرت مرات عدة في الأيام الماضية، وقد يحدث أمر ما يغير الرأي العام الأوروبي والأميركي بشكل يجبر الساسة على اتخاذ قرارات حاسمة مثل عقوبات اقتصادية شديدة، أو حتى الدخول في حرب. في كلا الحالتين، قد ننتهي إلى ركود اقتصادي.
ويجب التنويه إلى أنه، حتى لو طردت روسيا من نظام “سويفت”، فإن هناك استثناءات وألاعيب تمكن روسيا من استخدامه على كل الحالات، وإن كان في نطاق أضيق من ذي قبل. كما أن هناك بدائل عالمية لـ “سويفت”، وهناك نظام “سويفت” الصيني. لدى روسيا نظام “سويفت” خاص بها، لكنه للاستخدام الداخلي فقط، بينما النظام الصيني عالمي.

النفط والركود الاقتصادي

يشهد العالم ارتفاعاً في أسعار الوقود والغذاء والمنتجات الصناعية. هذا التضخم الكبير سيسبب مشكلات كثيرة، ليس للدول الفقيرة فقط، وإنما الدول الغنية أيضاً. والحقيقة المرة هي أن بعض الدول النفطية لن تستفيد من ارتفاع إيرادات النفط في الفترات الأخيرة، لأن أغلبها أو كلها سيتم إنفاقه كإعانات للمواطنين لمساعدتهم على مقاومة آثار التضخم.
إذا تم فرض عقوبات صارمة على روسيا (وأوكرانيا إذا احتلتها روسيا)، فإن الوضع سيزداد سوءاً، بخاصة في المجالات الزراعية والأغذية، كون روسيا وأوكرانيا من كبار مصدري الحبوب والأغذية. ولكن هناك مشكلة من الجانب الآخر، فالدول الأخرى لا تستطيع بيع منتجاتها إلى روسيا وأوكرانيا.
هناك تخوف شديد الآن من انخفاض الإنفاق الاستثماري عالمياً بسبب الحرب في أوكرانيا، وما قد ينتج عنها. كما هناك تخوف من انخفاض الإنفاق الحكومي في فترة ما بعد كورونا، وارتفاع أسعار الفائدة، وارتفاع الدولار. وإذا ما انخفض النمو الاقتصادي في الصين، فإن مشكلات العالم الاقتصادية ستتفاقم، وسيكون هناك طاقة إنتاجية فائضة في كل المجالات، بخاصة في القطاع الصناعي.
كل هذه الأمور قد ينتج منها ركود اقتصادي مصحوب بتضخم، وهو أسوأ ما يمكن أن يحصل اقتصادياً. في هذه الحالة سينخفض الطلب على النفط، ومن ثم فإن النمو المتوقع للطلب العالمي على النفط بسبب الانفتاح الاقتصادي وانتشار اللقاحات سينخفض بشكل كبير. وحسب التحليلات الأولية فإن الطلب على النفط في 2022 قد ينمو بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً فقط، بدلاً من 3.5 مليون برميل يومياً.
هذا الانخفاض في الطلب على النفط سيخفض أسعاره. ولا يتوقَع أن تقوم دول “أوبك+” بتخفيض الإنتاج إلا إذا اتضح أن الارتفاع في المخزون سيكون كبيراً، موضحاً تخمة في المعروض. قرارات “أوبك”، على الأقل في العلن، غير مربوطة بالأسعار، إلا أن تخمة المعروض تُترجم إلى أسعار أقل من 65 دولاراً للبرميل. بعبارة أخرى، يتوقع أن تقوم دول “أوبك” بتخفيض الإنتاج إذا انخفضت أسعار خام برنت عن 65 دولاراً للبرميل.
وإذا تدهور الوضع السياسي والاقتصادي عالمياً، فإن احتمال استعادة الجمهوريين السيطرة على مجلس السيوخ الأميركي كبير. فوز الجمهوريين سينهي مرحلة الركود الاقتصادي وسيرفع الطلب على النفط، لماذا؟ لأن الحكومة الأميركية تصبح “مربّطة” لأن مجلس الشيوخ سيوقف كل ما يريده بايدن، وبايدن سيستخدم الفيتو لأي قانون يقره مجلس الشيوخ. البيانات التاريخية تشير إلى انتعاش الاقتصاد في كل مرة تقاسم فيها الجمهوريون والديمقراطيون السلطة بهذا الشكل.
خلاصة الأمر أننا مقدمون على فترة صعبة، واحتمال حدوث ركود اقتصادي مصحوب بتضخم كبير، ومن ثم فإن الطلب على النفط قد ينخفض إلى مستويات أقل من المتوقع حالياً.

* نقلا عن ” اندبندت عربية”

أترك تعليق

          جميع الحقوق محفوظة لشات الرياض - ll6.in      
Generated by Feedzy