،                    
في الغالب كتب!
في الغالب كتب!

تخيّل أن تضّلَ الطريق وسط أكوام من الكتب، والكتب في منزل متمدد، تمضي الساعات من دون أن تشعر، لا شيء سوى خزائن الكتب ووسائط المعرفة والترفيه! هذا بالضبط ما وجدته في المنزل “المكتبة” وسط مدينة فيلادلفيا الأميركية.

صباح يوم خريفي بارد من شهر نوفمبر الماضي، خرجت أتريض مع صديقي الأكاديمي “أنس”، انطلقنا من منتصف الشارع الحادي عشر حتى وصلنا إلى حي “بيلا فيسا”، حيث أشهر متاجر الكتب المستعملة في ولاية بنسلفانيا “تقريباً كتب!”.

متجر الكتب المستعملة الذي أسس عام 1997م يقوم عليه صاحبه المثقف “جو آر”، بدأ بمتجر صغير ثم توسع تدريجياً، وأضحى كل بضع سنين يتمدد عبر المباني المجاورة، من ورشة عمل إلى إسطبل من القرن التاسع عشر، كل مرة يفتح باباً جديداً للمبنى المجاور حتى تجاوزت مساحته خمسة آلاف قدم مربع، تحوي ما يزيد على خمسين ألف عنوان! كما لو كانت مكتبة “ستراند” العتيقة في نيويورك، أو مكتبة “شكسبير وشركاه” في باريس.

ولأن الكتب المطبوعة ليست وعاء المعرفة الوحيد، لم يقتصر متجره عليها فقط، فخصص زوايا متعددة لعدة آلاف من أشرطة الفيديو القديمة، تمثل سجلاً لتاريخ كلاسيكيات هوليود وغيرها، ولا يبخل بطرح مقترحاته وآرائه الفنية! بالإضافة إلى مقتنيات منتقاة بعناية من إسطوانات لموسيقى الكلاسيك والروك والجاز وغيرها، استطاع -أيضاً- على مدى سنوات مراكمة صناديق ضخمة من الصور الفوتوغرافية لأناس عاديين من مناطق شتى وطبقات اجتماعية مختلفة، ناهيك عن بعض متعلقاتهم الثقافية والاجتماعية، التي تشكل مصدراً غنياً لمختصي الأنثربولوجيا وعلم الاجتماع.

لا تشعر بمرور عقارب الساعة، فتنوع مصادر الكتب ومجالاتها، وقدم تاريخ طبعاتها، يحفزان لمزيدٍ من البحث، إذ لا أروع من الحصول على نسخة كتاب ممتلئ بشروحات مالك الكتاب السابق، أو الفوز بنسخة نادرة من كتاب تبحث عنه من فترة طويلة.

عند مدخل المكتبة يوجد كرسي عتيق لمالكها، لكنه قلمّا يجلس عليه، فهو إما يقرأ أمام أحد الخزائن أو يشارك أحد القراء البحث عن كتاب مطلوب، لأنه دوماً موجود في المكتبة، فهو يسكن إحدى غرفها العلوية! لذا إن صادفت السيد “جو” فاعلم أنه سوف يقول لك مبتسماً: “أحضر فنجان قهوتك وأَضِع نفسك هنا!”، والحقيقة أنني أتوق أن أعود مرات عديدة إلى هناك، وأن أفقد الإحساس بالوقت والمكان كما حدث لي هذه المرة.

نقلا عن “الرياض

أترك تعليق

          جميع الحقوق محفوظة لشات الرياض - ll6.in      
Generated by Feedzy