،                    
وتصدق علينا
وتصدق علينا

لم تكن جملة أطلقها سائل اتخذ المسألة مهنةً ليستكثر بها أموالًا، بل كانت مسألة كرماء لم يعتادوا المسألة، ساقتهم أقدار الله بلطفه لتكون “مذلتهم” موضع عزة لمن أمرتهم أنفسهم حسدًا وظلمًا بكيده ساعة زلة، فتآمروا عليه، وألقوه في الجبّ، وباعوه بثمن بخس دراهم معدودة، فتقلبت به السنون من بلاء إلى بلاء، فسار معها سير كريم النفس محسن الأفعال والأقوال، لم يكن يومًا يتمنى أن يعود الزمان به ليظفر بإخوته لينتقم لنفسه ويذيقهم ولو معشار ما ذاق منهم، ولكنه أعرض عن ماضيه إعراض المهتم بأمر مستقبله ومستقبل من حوله، فكان يوسف عليه الســلام هو النور المهدى إلى أهل مصر، والمنقذ لهم من الضلال إلى الهدى، والخبير الذي أسس لهم في الاقتصاد علمًا أنقذهم به من قحط سبع سنين عجاف.

وحيث دارت الأيام وتقلبت الأحوال بالناس- وفي تلاوة سورة يوسف غُنية عن التفصيل هنا- جاء إخوته ببضاعتهم المزجاة التي لا يرجون منها ثمنًا كبيرًا ولا ربحًا يعوض عن مشقة تجشم عناء الطريق، غير أنهم اختصروا حالهم وحال كثير من الخلق الذين قد لا تمتد أيديهم ولا تنطق ألسنتهم عن حالهم، كما يقول الله تعالى: «يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف»، فقالوا: «أوف لنا الكيل، وتصدق علينا)»، ولم تكن مسألتهم هذه مجازفة، بل لاح لهم في وجه يوسف عليه السـلام ما شجعهم على ذكر حاجتهم بين يديه، وأطلقت ألسنتهم بما انعقدت عن قوله حين كان بينهم عند أبويه: «إنا نراك من المحسنين»، وأتبعوا الطلب ببيان العاقبة: «إن الله يجزي المتصدقين»، فكانت النفس الكريمة سباقة إلى العفو، وتلك النفوس هي التي ألفت الإحسان، لا تعامل الآخرين بميزان “الأخذ بقدر العطاء” بل تجارتهم مع الله في العفو عن من أساء إليهم، وفي عطائهم من جعل الله حاجته إليهم.

هي قصة نبي الله يوسف عليه السـلام، لكن فيها «آيات للسائلين»، وما قصها الله في كتابه وجعلها من أحسن القصص، إلا لتكون تفاصيلها نظاماً ونبراسًا يسير على نوره السالكون، وربما يظن أحدنا أن هذه القصة لا تتكرر، بل تتكرر وتتكرر كثيراً وكثيراً، فكم من الناس ممن بغى بعضهم على بعض، لكنهم لم يقتنصوا فرصة العفو والصفح، كما اقتنصها يوسف عليه السـلام، وكم من أثرياء فتحت لهم أبواب الإحسان إلى مسكين أو ضعيف أو قريب أو عامل، لكنه آثر أن يكون عطاؤه بقدر فائدته، ولم يسلك طريق التجارة مع الله «فإن الله لا يضيع أجر المحسنين».

قد لا تجد من يمد إليك يديه ليسألك حاجته، وقد يسيطر على قلبك حب المعاملة بالمثل، ولا تهتدي إلى سبيل الإحسان، فلا يكاد ذوو الحاجة يرون في وجهك ما رآه إخوة يوسف في وجه أخيهم من الإحسان.

والإحسان مراتب، ولكن لعل ما في سياق سورة يوسف يقصد به التفضل على الآخرين، وأداء المعروف إليهم ابتغاء وجه الله، والتنازل عن حقوق النفس وحظوظها التي تكون حاجزًا بين المرء وبين محبة الآخرين ودعواتهم والإحسان إليهم، فإن النفس صعبة المراس، ولا سيما حين تتقلب في أحوال الدهر، وتصيبها لأواؤه، ثم تظفر بشيء من لذة الدنيا ونعيمها، أو تقدر على خصم وتمكنت من الانتقام منه، فإن الإحسان في هذا الموضع من أشد ما يكون عسرًا وصعوبة على النفس، ومن وعظ الأدباء:

وإنّ أولى البرايا أن تواسيه

عند السرور الذي واساك في الحزَنِ

إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا

من كان يألفهم في المنزل الخشنِ

ولكن كانت مواساة يوسف وإحسانه أكبر من ذلك وأعظم فهي مواساة لمن أساؤوا إليه في صغره وضعفه مع قدرتهم عليه وقربهم منه، فتناسى ذلك حتى رأوا إحسانه في وجهه ونطقوا «وتصدق علينا». هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن “الرياض

أترك تعليق

          جميع الحقوق محفوظة لشات الرياض - ll6.in      
Generated by Feedzy