،                    
قصة نجاح
قصة نجاح

يعمل في هذه المزرعة قرابة أربعة آلاف موظف، منهم ثلاث مئة وخمسون سيدة من محافظة الليث المجاورة، وسيرتفع إلى خمس مئة قريباً. وفي عام 2018 بلغت مبيعات الشركة مليار ريال، ومعظم إنتاج المزرعة يذهب للتصدير خصوصاً للصين واليابان..

تذكرت وأنا أتجول في واحدة من أكبر المزارع المتكاملة للروبيان والأسماك في العالم قصص بعض العصاميين أصحاب الشركات الكبيرة على مستوى العالم، فرغم الاختلاف الكبير بين كل تجربة وأخرى، إلا أن ما يجمع بينها هو الإرادة وقوة العزيمة، والتعلم من الفشل، وعدم الاستسلام للصعوبات والاخفاقات. الإصرار وبعد النظر مع التركيز على البحث والتطوير المستمر هو أهم أسباب نجاحها، في هذه المزرعة الكبيرة والمتكاملة تذكرت سويتشيرو هوندا الذي أوجد واحدة من أكبر شركات السيارات والدراجات النارية في العالم بعد محاولات كثيرة وإخفاقات، وتدمير مصنعه ثلاث مرات، مرتين بسبب القصف الجوي في الحرب العالمية الثانية والمرة الثالثة بسبب زلزال دمر مصنعه عن آخره، ومع هذا واصل واقترض وتعلم من أخطائه حتى نجح رغم الفقر وعدم إكمال دراسته الثانوية، أما صاحب مزرعة الروبيان فقد تعلم في أفضل جامعات الغرب ولم يتعرض لما تعرض له صاحبنا الياباني، لكنه وجد الكثير من العوائق البيئية والبيروقراطية ونقص التمويل، فتغلب عليها جميعاً، وأوجد مزرعة تعد من أهم مصادر الأمن الغذائي في المملكة، والجميل أنها ليست بحاجة لاستخدام المياه العذبة الناضبة، بل وحتى الأرض المقام عليها المشروع هي أرض سبخة على ساحل البحر الأحمر جنوب جدة وشمال محافظة الليث لا تصلح لزراعة المحاصيل، لكنها نموذجية لأحواض تربية الروبيان والأسماك.

قبل أسبوع زرت وعدد من الزملاء مقرّ “المجموعة الوطنية للاستزراع المائي” بدعوة من أحد ملاكها وصاحب فكرة إنشائها وهو المهندس محمد بن رشيد البلاع، الذي أخبرنا عن بداية هذا المشروع الوطني العملاق، حيث بدأت الفكرة حين زار مزرعة روبيان في الفلبين، فقرر أن ينشئ مزرعة مماثلة، لكنه تفاجأ أن تلك المزرعة بحاجة إلى مياه عذبة تقام على مصبات الأنهار، لكنه لم ييأس، وبعد البحث المستمر عثر على روبيان البحر الأحمر الذي يعيش في المياه المالحة، فأوجد مركز بحث وتطوير استمر خمس سنوات حتى استطاع تربية وإكثار هذا النوع من الروبيان، وبعد أن نضجت الفكرة بحث عن شركاء ممولين، وهل يوجد أفضل من الشيخ سليمان الراجحي والسبيعي، لينطلق المشروع الوطني العملاق.

يعمل في هذه المزرعة قرابة أربعة آلاف موظف، منهم ثلاث مئة وخمسون سيدة من محافظة الليث المجاورة، وسيرتفع إلى خمس مئة قريباً. وفي عام 2018 بلغت مبيعات الشركة مليار ريال، ومعظم إنتاج المزرعة يذهب للتصدير خصوصاً للصين واليابان، والجميل أن المجموعة تستعد لزراعة ملايين الأشجار من المانجروف وأشجار البيئة الأخرى المناسبة لتكون ملجأ للأسماك والطيور المهاجرة.

سعدت كثيراً لنجاح هذا المشروع الوطني، وأسوق بعض الملاحظات العامة لكل من يرغب في مثل هذا النجاح:

أولاً: توفر لهذا المشروع كل أسباب النجاح بدءاً بالرغبة الأكيدة والتفكير خارج الصندوق من قبل من فكر فيه وحتى أصبح بهذا التكامل والنجاح، مشكلتنا الأزلية هي أننا نسير في دروب مطروقة خلف من سبقنا، مما يوجد مشروعات ومؤسسات متشابهة ويتحول معظمها إلى الخسائر ثم الإفلاس، إضافة إلى عدم التفرغ ونقص التمويل وقلة الخبرة.

ثانياً: في معظم شركاتنا وجامعاتنا لا نهتم كثيراً في الأبحاث والتطوير، في الدول المتقدمة نجد أن أول بنود التعريف بالشركة هو نسبة ما يعطى للبحث والتطوير من كامل دخل الشركة. البحث والتطوير ركن أساسي لنجاح وازدهار أي شركة أو مؤسسة علمية أو وزارة، فهو الذي يحدد الصعوبات ويعالجها، ويبحث عن أفضل الطرق لزيادة الإنتاجية واستدامتها، ومواكبة التقنية وتوظيفها، ويهتم بالتسويق والجودة ورضا العميل والتطوير المستمر، والمجموعة الوطنية للاستزراع السمكي بحاجة إلى الاستمرار في البحث والتطوير وزيادة الصرف عليه، ولو قلّ ما يخصص للبحث والتطوير لتوقفت عجلة زيادة الإنتاج وجودته.

ثالثاً: الأسماك والروبيان من أنفع وألذ الوجبات الغذائية لمعظم سكان الكرة الأرضية، وهي الحل لمشكلة نقص الغذاء مع الزيادة الكبيرة لسكان العالم، إضافة إلى فوائدها الصحية الكثيرة مقارنة باللحوم الحمراء المشبعة بالدهون الثلاثية، وتعد المملكة من أقل دول العالم في متوسط استهلاك الفرد للأسماك سنوياً، خصوصاً في المناطق البعيدة عن البحر مثل: المنطقة الوسطى والشمالية، مما يحتم وجود برنامج وطني يبدأ من المدارس، وتكثيف جهود الوزارات المعنية كوزارة البيئة والمياه والزراعة، ووزارة الصحة، ووزارة الإعلام.

كم نحن بحاجة إلى مثل هذه المشروعات النوعية التي تركز على تنويع مصادر الدخل وتوفر الأمن الغذائي وتجعل التصدير على قائمة الأهداف، وهذا ما وجدته في “المجموعة الوطنية للاستزراع المائي”.

نقلاً عن “الرياض”

أترك تعليق

          جميع الحقوق محفوظة لشات الرياض - ll6.in      
Generated by Feedzy