،                    
حرب المصالح.. إلى أي جانب ستقف الصين؟
حرب المصالح.. إلى أي جانب ستقف الصين؟

تركت سلسلة العقوبات الغربية وتجميد الأصول وسحب الشركات الدولية من الاقتصاد الروسي رداً على الهجوم العسكري على أوكرانيا، حليفا واحدا قويا بما يكفي، ويمكن الاعتماد عليه كمصدر للدعم المحتمل، هو الصين.

قال وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف يوم الأحد: “أعتقد أن شراكتنا مع الصين ستظل تسمح لنا بالحفاظ على التعاون الذي حققناه، ولن نحافظ عليه فحسب، بل نزيده أيضاً في بيئة تغلق فيها الأسواق الغربية أبوابها أمامنا”.

رداً على ذلك، قال مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، إنه “حذر بكين من وجود عواقب بالتأكيد على جهود التملص من العقوبات واسعة النطاق، أو محاولات دعم روسيا”. وناقش دبلوماسيون أميركيون وصينيون القضية يوم الاثنين على مدار 7 ساعات من المحادثات، وفقاً لما ذكرته شبكة “CNBC”، واطلعت عليه “العربية.نت”.

وأشار سيلوانوف إلى تجميد الأصول الذي تقوده الولايات المتحدة على ما يقرب من نصف احتياطيات البنك المركزي الروسي – 300 مليار دولار من 640 مليار دولار من الذهب والعملات الأجنبية – التي جمعتها منذ موجة سابقة من العقوبات الغربية بعد ضمها لشبه جزيرة القرم الأوكرانية في العام 2014.

يتبقى لدى روسيا احتياطيات من الذهب واليوان الصيني، مما يجعله فعلياً المصدر الرئيسي المحتمل للنقد الأجنبي بالنسبة لموسكو لدعم الروبل وسط تدفقات رأس المال المدمرة نحو الخارج.

في بعض تصريحات بكين الأكثر صراحة بشأن العقوبات حتى الآن، قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال مكالمة مع نظيره الأوروبي، إن الصين ليست طرفاً في الأزمة، ولا تريد أن تؤثر العقوبات عليها.

وأضاف أن “للصين الحق في حماية حقوقها ومصالحها المشروعة”.

إلى أي مدى يمكن أن تساعد الصين في تخفيف الآلام الاقتصادية على روسيا؟

إذا قررت الصين فتح خط مقايضة كامل مع روسيا، وقبول الروبل كعملة للشراء مقابل أي شيء يحتاجه الاقتصاد الروسي – بما في ذلك الواردات المهمة مثل الأجزاء التكنولوجية وأشباه الموصلات التي مُنعت عن موسكو في جولات العقوبات الأخيرة – يمكن للصين أن تكون البديل الأساسي لها.

لكن ما إذا كان ذلك في مصلحة بكين بالكامل، وإلى أي مدى يمكن أن يأتي بنتائج عكسية، فهذه مسألة أخرى.

قال زميل آسيا الوسطى في معهد أبحاث السياسة الخارجية، ماكسيميليان هيس: “في ما يتعلق بأي مدى يمكن للصين أن تساعد الروس.. يمكن أن تساعدهم كثيراً، لكن الصينيين قد يخاطرون بفرض عقوبات ثانوية كبيرة على أنفسهم، وتجديد حرب تجارية رئيسية وعقوبات مع الولايات المتحدة والغرب أيضاً”.

وأوضح هيس، أنه بالنظر إلى الحالة غير المؤكدة للأسواق الصينية على مدى الأسابيع القليلة الماضية، وسط تصاعد التضخم وتفشي فيروس كورونا في البلاد، “قد لا يكون هذا هو أفضل وقت لمعادة الغرب”.

شراكة “بلا حدود”

مع ذلك، فإن بكين لديها تحالف طويل الأمد مع روسيا ويمكنها الاستفادة من موقعها.

وقبل الغزو، أعلنت بكين وموسكو عن شراكة استراتيجية “بلا حدود”، قالتا إنها تهدف إلى مواجهة النفوذ الأميركي. كان موقف الصين هو إلقاء اللوم في نهاية المطاف على توسع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي شرقاً في الصراع، وفي 7 مارس، وصف وزير خارجيتها وانغ يي روسيا بأنها “الشريك الاستراتيجي الأهم” لبلاده.

وقال وانغ يي: “مهما كانت خطورة المشهد الدولي، فإننا سنحافظ على تركيزنا الاستراتيجي ونعزز تنمية شراكة شاملة بين الصين وروسيا في العصر الجديد”.

وبينما أعربت الحكومة الصينية عن “قلقها” بشأن الصراع في أوكرانيا، فقد رفضت وصفه بأنه غزو أو حتى إدانة روسيا، مما دفع إلى حد كبير رواية موسكو عن الحرب إلى منافذها الإخبارية الحكومية.

وكتب كبير الاقتصاديين في بنك بيرنبرغ، هولغر شميدنغ، في مذكرة بحثية أوائل مارس: “للصين وبوتين مصلحة واضحة في العمل معاً بشكل أوثق.. الصين سعيدة بإحداث مشاكل للغرب ولن تمانع في تحويل روسيا تدريجياً إلى شريكها الأصغر المطيع”. ويمكنها أيضاً الاستفادة من موقعها لشراء النفط والغاز والسلع الأخرى الروسية بأسعار مخفضة، على غرار ما تفعله مع إيران.

يأتي ذلك، فيما تعد الصين أكبر سوق تصدير لروسيا بعد الاتحاد الأوروبي. إذ وصلت التجارة بين الصين وروسيا إلى مستوى قياسي بلغ 146.9 مليار دولار في 2021، بزيادة 35.9% على أساس سنوي، وفقاً لوكالة الجمارك الصينية. كما بلغت قيمة الصادرات الروسية إلى الصين 79.3 مليار دولار في 2021، يمثل النفط والغاز 56% منها.

وقال شميدنغ: “يمكن لروسيا استخدام الصين بمرور الوقت كسوق بديلة أكبر لصادراتها من المواد الخام، وقناة للمساعدة في الالتفاف على العقوبات الغربية”.

وفيما يمكن للتحالف القوي لاقتصادات مجموعة السبع، المكون من الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين والآسيويين، فرض عقوبات ثانوية قاسية على أي كيان يدعم موسكو، إلا أن المشكلة هنا هي أن اقتصاد الصين هو ثاني أكبر اقتصاد في العالم وجزء أساسي من سلاسل التوريد العالمية. إنه يؤثر على الأسواق العالمية أكثر بكثير مما تفعله روسيا. إن أي تحرك لفرض عقوبات على الصين سيعني تأثيرات عالمية أكبر بكثير، ومن المحتمل حدوث ألم اقتصادي للغرب أيضاً.

حل وسط

توقع المحللون في شركة الأبحاث Rhodium Group، أن تسعى بكين إلى حل وسط، بين دعم روسيا أو الاصطفاف في جانب الغرب، والذي قد يتضمن “الحفاظ بهدوء على القنوات الحالية للشراكة الاقتصادية مع روسيا.. مع تقليل تعرض المؤسسات المالية الصينية للعقوبات الغربية”.

احتياطيات اليوان

يبرز السؤال حول إمكانية استمرار بكين في السماح لروسيا بالوصول إلى احتياطياتها من اليوان والتجارة بها، والتي يبلغ مجموعها حوالي 90 مليار دولار، أو حوالي 14% من احتياطيات النقد الأجنبي لروسيا.

وفيما يبدو أن الجواب المؤكد هو نعم، من المرجح أن تتعرض الصين للعقوبات حال سمحت بكين للبنك المركزي الروسي ببيع الأصول المقومة باليوان مقابل الدولار أو اليورو.

لا يزال بإمكان الصين التجارة مع الشركات الروسية بالروبل واليوان من خلال البنوك الروسية التي لم يتم فرض عقوبات عليها بعد. ولكن على الرغم من سنوات عديدة من العمل لزيادة التجارة الثنائية بعملاتهم، فإن الغالبية العظمى من تلك التجارة – بما في ذلك 88% من الصادرات الروسية – لا تزال تُدفع بالدولار أو اليورو.

وقال هيس: “يمكن للصين أن تخفف الغالبية العظمى من الألم الواقع على روسيا”، عبر اعتماد نظام المقايضة باليوان، أو الروبل، إلا أنه سيعني تبعياً أن الصين ستتحمل جميع التزامات ومخاطر الاقتصاد الروسي في ميزانيتهم العمومية بينما الاقتصاد الروسي في أضعف حالاته منذ عقود.

ويرى هيس، أن ذلك ربما لا يكون التحرك الأكثر حكمة من الناحية الاقتصادية، لكن للسياسة اعتبارات أخرى.

أترك تعليق

          جميع الحقوق محفوظة لشات الرياض - ll6.in      
Generated by Feedzy