،                    
لغة السيف
لغة السيف

ما من تدبيرٍ لحفظِ مصلحةٍ من المصالح إلا ويمتعض منه من يكيد لتلك المصلحة، ويسعى في تقويضها؛ لعلمه أن التدبير لها سيُفسد عليه مهمته الخبيثة، ومن هذه الزاوية عوت ثعالبُ الخونة تألماً بتنفيذِ الحدِّ الشرعيِّ في حقِّ بعض المفسدين..

يستهين بعض الناس -مخطئين- بمكانة استتباب الأمن، فيخيل إليه أن الأمن أمر كماليٌّ، ومن شأن الكماليات المقايضة بها عند الحاجة، وتطفيف مكيالها إن تعارضت مع غيرها، وهذه أغلوطةٌ عظيمةٌ يغطُّ من يتبناها في نومةٍ عميقة؛ فالأمن من أعظم المصالح وأولاها بالاحترام، وكيف لا يكون ذلك وقد انتظمت فيه الضروريات الخمس التي لا عمارة للكون بدونها، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، ومعلوم أن هذه الخمس لا تسلم مع اختلال أمر العامة وسيادة الهرج والمرج، بل لا تقع الفتنة إلا مصبوبة في قوالب أعاصير تعصف بتلك الضروريات، ولا تنشأ الفِرَقُ ولا يَنْجُمُ قرنُ البدعةِ إلا تحت غطاء الانفلات والفوضى، ومن شأن اختلال الأمن أن يُربك المسلم فيما يجب عليه وما حُظر عليه، فيقف أمامَ كثيرٍ من القضايا لا يُميز فيها بين الحق والصواب، أما تضرُّرُ بقية الخمس بالانفلات فحدِّث عنه ولا حرج؛ فما للنفس البشرية أدنى قيمة عند المفسد المستهتر بأمن المجتمع، والمال والعرض لا يتوقَّى فيهما أي شيء أمكنه التعدي عليه، فأخطر ما يمكن أن يُجنى على المجتمع المساسُ بأمنه، فواجبٌ على كُلٍّ منا الحفاظ على الأمن وسد أبواب الفتن، والمسؤولية في ذلك مشتركة، ولي مع ذلك وقفات:

الأولى: ردع المتطاولين على أمنِ المجتمعِ مسؤوليةٌ مُلقاةٌ على عاتق ولي الأمر، ولثقل وأهمية هذه المسؤولية جُعلت القيادةُ في يدِ شخصٍ بعينه ذي مواصفات معينة تُؤهله للنهوض بهذا العبءِ الكبير، ولا يُمكن أن يجري أمر الناس على السداد إلا بإسناد هذه المهمة إلى الكفء كما قال الشاعر:

لا يصلح الناس فوضى لا سَراةَ لهم…..ولا سَراةَ إذا جهالهم سادوا

ومن واجب وليِّ الأمر أن يدفع في صدر من سوَّلتْ له نفسه العبث بأمن المجتمع، وأن يردعه عن إفساده، وأهم من يجب عليه مواجهته من يخرجُ على المجتمع بالسلاح، أو يشرع في ذلك، أو يخطط له، ويسعى في الأرض فساداً، ومن تعاطى هذا الجرم الخطير فقد نَزَعَ عن نفسه لباسَ العصمة، ووقَّع بيده الخائنة صكّاً شرعيّاً بإهدار دمه، فعنْ عبْدِ الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسولُ الله: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرئ مُسْلِمٍ يَشهَدُ أنْ لَا إلهَ إلاَّ الله وأنِّي رسُولُ الله إلاَّ بإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، والثَّيِّبُ الزَّاني، والمارِقُ مِنَ الدِّينِ التارِكُ لِلْجماعَةِ” متفق عليه وفي رواية لمسلم “وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ” قال العيني: “وَاسْتُدلَّ بِهِ أَيْضاً على قتلِ الْخَوَارِج والبغاة؛ لدخولهم فِي مُفَارقَة الْجَمَاعَة”، فالحكم الشرعي للمعتدي المتورط في هذه الجريمة ردعه بما يحسم مادة شره، ومن ذلك قتل من يرى القضاءُ أن جرمه لا يُجازى إلا بالقتل.

الثانية: ما من تدبيرٍ لحفظِ مصلحةٍ من المصالح إلا ويمتعض منه من يكيد لتلك المصلحة، ويسعى في تقويضها؛ لعلمه أن التدبير لها سيُفسد عليه مهمته الخبيثة، ومن هذه الزاوية عوت ثعالبُ الخونة تألماً بتنفيذِ الحدِّ الشرعيِّ في حقِّ بعض المفسدين؛ لإدراك أولئك الثعالب أن بَتْرَ هذه الأعضاء المتعفنة مصلحةٌ عظيمةٌ للمجتمع، ووسيلةٌ ناجعةٌ لاستتباب الأمن، وتطهيرٌ لهذه البلاد المباركة من وَضَرِ الجريمة العابرة للقارات، وتجنيبٌ للوطن ويلات هائلة عصفت وتعصف ببلادٍ كانت قبل فترةٍ آمنةً مطمئنةً، وهذا ما لا يُحبونه، بل يأملون إبقاء تلك العفونة داخل جسد المجتمع ليسري الداء العضال فيه حتى ينهار، فينقضُّوا عليه بلا هوادة، ويحلمون بأن يتقلَّب هذا المجتمع الآمن في تنُّورِ الفتنة حتى يُطفئ لهم ذلك بعض ما يحملونه من ضغينةٍ وحقدٍ للمجتمع، وهم يدركون جيداً مع بلادتهم أنه لا يُوجدُ أنكى على المجتمعات اليوم من تسلُّطِ هذه الجماعات المتطرفة عليها، وأن أتعس المبتليْنَ حظاً من أنشب فيهم الإرهابيون أظفارهم.

الثالثة: يعيش أولئك الأُبَّاقُ في دولٍ يرونها المثل النموذجي للحقوق -كما زعموا- ولا يتجرؤون على نقدِ سياساتها الأمنية، ويتغاضون عن أن هذه الدول تجوبُ أساطيلُها الشرق والغرب مُبَالَغةً منها في الاحتياط لأمنها القومي، وترتكب في سبيل ذلك كُلَّ ما بدا لها أن تفعله، وتبقى جاهزة لتنفيذ كل ما من شأنه أن يجنب مجتمعها الويلات، فإذا تَفهَّمَ لها ذلك الآبِقُ المقيمُ بين ظهرانيها هذه الإجراءات، فبأيِّ ميزانٍ يكيل الانتقاد لسُلطةٍ ضبطت مُفسدين منهم قتلةٌ ومنهم من هو بصددِ القتل بتخطيطه ودعمه، فقدَّمَتْهُم للقضاء، ونفَّذَت في حقهم أحكاماً شرعيةً تُوجبُ السياسةُ الشرعيةُ تنفيذها، ويُعتبرُ تنفيذها بحقِّ أولئك ردعاً لمن تُسوِّلُ له نفسه التلطخ بمثل هذا العار الذي تمرغوا في وحله؟ فإذا كان تأمينُ الوطنِ، وردعُ أعدائِهِ مَثَارَ بُكاءِ هؤلاءِ الأُبَّاق فلا أرقأ الله لهم دمعةً، ولا أثلجَ لهم صدراً.

نقلاً عن “الرياض

أترك تعليق

          جميع الحقوق محفوظة لشات الرياض - ll6.in      
Generated by Feedzy