،                    
“تربيع” الدائرة وتوطين الوظائف المتدنية
“تربيع” الدائرة وتوطين الوظائف المتدنية

بيتر دراكر، عراب الإدارة الحديثة، قال ذات مرة: “إذا أردت الوصول لشيء جديد، فعليك التوقف عن استخدام الأساليب القديمة”.

وإذا أردنا إنجاح مبادرات التوطين، فعلينا من وجهة نظري أن نصنف الوظائف المستهدفة وفق “مصفوفة” محورها الأول قدرة السعودي على أداء الوظيفة، ومحورها الثاني رغبته في أدائها، وبذلك تتشكل أمامنا أربع مربعات، تتقاطع فيها القدرات والرغبات بين علو وانخفاض.

معظم الوظائف ذات الطبيعة الإدارية تندرج ضمن مربع الوظائف (قدرة عالية/ رغبة عالية)، بينما على النقيض نرى أن بعض الوظائف الحرفية قد تتأرجح بين مربعي الرغبة المنخفضة أيا كان مستوى القدرة.

فالرغبة تكشف لنا مدى حرص الفرد وشغفه لممارسة وظيفة ما، فمثلا الوظائف الفنية “مرغوبة” عند شبابنا أكثر من الحرفية، إذ نلاحظ أن وظيفة “فني صيانة طائرات” يرغبها السعودي أكثر من “فني صيانة سيارات”، وهذه ربما مرغوبة أكثر من “فني صيانة جوالات”، والأخيرة يفضلها على وظيفة حرفية مثل “كهربائي”.

كنت أتمنى قياس العائد على استثماراتنا في التدريب الحرفي متسائلا أين ذهب خريجو التخصصات الحرفية (كهرباء/ سباكة/ تبريد وتكييف) منذ تأسيس معاهدنا؟ إن الواقع الذي نعيشه في سوق العمل يعطينا إجابة كافية بأن شريحة كبيرة منهم غيروا مساراتهم لشيء مختلف عما تدربوا عليه.

إذن، علينا أن نصل إلى قناعة أننا لن نستطيع توطين الوظائف الحرفية ولو بنسب متدنية، وأن نبدأ في التفكير في حلول جديدة تحفظ الجهد والوقت والموارد، وتسهم أيضا مع حملات مكافحة التستر التجاري، وحملات وزارة الداخلية ضد مخالفي أنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود في تصحيح اختلالات سوق العمل.

لذا، نقترح أن يتم تعويض عزوف السعوديين عن الوظائف الحرفية بتقنين عمل العمالة الحرفية (السائبة)، وذلك بإنشاء شركة حكومية – تملكها مثلا وزارة الموارد البشرية – تتولى اختيارهم وغربلتهم، وفق معايير أهمها نظامية إقامة العامل، وخلوه من السوابق الجنائية، واجتيازه للفحص المهني، ومن ثم يتم نقل كفالته إلى هذه الشركة، فيعمل تحت إشرافها بعد إعادة تأهيله في طريقة العمل والتعامل والملبس والمظهر.

بمعنى آخر، بدلا من أن يسرح العامل في السوق ويعمل لحسابه، مقابل مبالغ شهرية أو سنوية للكفيل، يتحول من عامل سائب إلى عامل في شركة تتولى بدورها تقديم خدمات الصيانة للأفراد عبر “تطبيق”، وخدمات الصيانة للشركات وفق عقود، مدعمة عملياتها التشغيلية بمركز “خدمة عملاء” لتقييم مستوى العمالة والتعامل مع الشكاوى، بالإضافة إلى مركز “تدريب” لمواصلة تدريبهم على المهارات الفنية وكذلك المهارات الذاتية (التهذب واللباقة مع العملاء).

وستسهم الشركة في “تنظيف” سوق العمل عند إدارة ومتابعة أداء منتسبيها، وبالتالي إبقاء العمالة الماهرة، والتخلص من العمالة غير الماهرة وترحيلها عن البلد.

عندما نصل إلى قناعة تامة بعدم جدوى توطين الوظائف المتدنية، سنكرس بكل تأكيد جهودنا وطاقاتنا لتوطين الوظائف التي يفضلها السعودي ويستطيع أن يؤديها دون عوائق أو محاولات لتربيع الدائرة!

نقلاً عن “الرياض

أترك تعليق

          جميع الحقوق محفوظة لشات الرياض - ll6.in      
Generated by Feedzy