،                    
السّعوديون الشّيعة والتحرّر من سطوة رجال الدّين المتشدّدين!
السّعوديون الشّيعة والتحرّر من سطوة رجال الدّين المتشدّدين!

هل المجتمع بحاجة إلى رجال الدين؟ سؤال كان محل نقاش مع مجموعة من الأصدقاء، بين من يعتقد أن الناس ليسوا بحاجة إلى من يكون وسيطاً بينهم وبين الله، وآخر يرى أن وجود “علماء الدين” لا رجاله أمر ضروري، وثالث يرى أن وجودهم أمر طبيعي جداً في أي مجتمع!

كانت الآراء متعددة، والنقاشات يطرح فيها كل فرد وجهة نظره، من زوايا تتبع الخلفية الذاتية والتجربة التاريخية والمنظومة الثقافية لكل شخص، الرؤى التي يُعتقد أنها تحقق توازناً بين روحانية الدين من جهة، ومتطلبات الحياة من جهة أخرى؛ لكن السؤال: أليست الروحانية تجربة فردانية، ليست بحاجة إلى وسطاء أو رجال دين، بل إلى تأمل، بصيرة، اندكاك للعاشق في المعشوق، كما يقول الصوفية!

رغم ذلك، لم ينفضّ الحوار إلا والجميع شبه متفق على أنه إذا كان هناك من حاجة فهي إلى “العلماء الصادقين” لا إلى ذلك النّسق من الرجال الذين يحاولون فرض سطوتهم على المجتمع واحتكار الرؤية الحقانية للوجود، وهذه الحاجة مقيدة لا مطلقة! أي أن عالم الدين الذي يحتاج الناس إلى وجوده بينهم، هو ذلك المختص، الذي يقدم أجوبة عن أسئلة الناس المتعلقة بأحكام الفقه، ويمارس دوراً في التربية الأخلاقية، من دون أن تكون له سلطة الإكراه أو فرض أحكام قيمية على الناس، أو ينتمي إلى أحزاب تروم تطبيق الشريعة بحسب وجهة نظرها الخاصة للدين.

أيضاً، اتفق المتحاورون على أن دور هؤلاء العلماء يجب أن يكون في حدوده التي لا تقيد الحريات الشخصية للناس؛ أي ألا يمارسوا سطوة الخطاب، بل الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، لا أكثر ولا أقل.

بسبب الحضور الكبير للدين في الوجدان الشعبي للمسلمين عموماً، احتل رجال الدين مكانة خاصة، وعملوا يوماً بعد آخر على تكريسها، لتكون أمراً واقعاً. كما أن استخدام الدين من جانب جماعات وأحزاب سياسية وحتى أنظمة، جعل المسألة الدينية أكثر تشابكاً وتعقيداً، وهو ما حوّل التديّن من ذلك السلوك الفطري البسيط، إلى منظومة أكثر تشدداً، تتشابك مع السياسة والمصالح الاقتصادية والاجتماعية، وتفرز آلياتها التي من خلالها ترفض البعض أو تقبله، وبذلك تكون لها سلطة معنوية وحتى مادية.

من جاكرتا وحتى طنجة، على امتداد العالم الإسلامي، حضر رجل الدين، وكانت له المكانة المقدمة على العالم في تخصصات حيوية أخرى: الطب، الفيزياء، الكيمياء، علم الاجتماع، علم النفس… فهو الفرد الذي يقدّم ذاته كوسيط بين الناس والخالق، وشارح وحافظ ومنافح عن القرآن وآياته!

المسلمون الشيعة، ليسوا استثناءً من هذه القاعدة التي عمّت العالم الإسلامي، وزاد منها شعور جمعي بأنهم “أقلية مذهبية”، ولذا، حضر رجل الدين حضوراً أكبر، وقدّم نفسه بوصفه الحارس الأمين لـ”التشيع” قبالة محاولات النّيل منه أو الانتقاص من عقائده.

زادت من حضور عالم الدين في الوسط الشيعي، النظرة التي بناها خلال سنوات، بوصف العلماء “ورثة الأنبياء”، وأنهم من يحملون علوم آل محمد، وهم من يخرج منهم الفقهاء والفضلاء ووكلاء المراجع وخطباء المنابر الحسينية.

المناكفات التي يطلقها المتشددون السنّة، كان عالم الدين في الوسط الشيعي هو المتصدي لها، وبذلك، كان يكرّس مكانته كدرعٍ تحمي أبناء طائفته ممن يريدون إخراجهم من الملّة، ما عزز حضوره، وجعل من يخرج عن طوعه، وكأنه شق الصف!

من هنا، كانت خطابات التيارات السلفية السنّية، تصب في مصلحة تعزيز مكانة رجال الدين الشيعة، أي أنه كلما زاد حضور رجال الدين في أحد الجانبين، تعزز لدى الجانب الآخر، في علاقة طردية، ومنفعة تبادلية، وإن لم يكن هناك اتفاق عليها بين الطرفين.

لقد كان النقاد للدور المفرط لرجال الدين في الوسط الشيعي، أو الخطاب المتشدد لمجموعات منهم، يعيشون عزلة اجتماعية، ويُشَكَّك في ولائهم المذهبي، أو يُتّهمون بالفسق والانحراف، وأحياناً بـ”الخيانة الاجتماعية” كونهم يعملون على “توهين المذهب” كما يروّج المحافظون! ما دفع البعض الى الصمت، وإن كانت أسماء عدة قد واصلت معارضتها الصريحة لتفرد رجال الدين، وعملت على تمدين المجتمع وتحديث أفكاره من دون أن تضعف أمام حملات تشويه السّمعة أو التضليل.

من هنا، فإن عملية الإصلاح التي تحدث في السعودية، ومشاريع “رؤية المملكة 2030” التي عملت على الحد من سلطة رجال الدين المتشددين، امتد أثرها إلى الأوساط السعودية الشيعية، بحيث تقلصت مساحة نفوذ علماء الدين تقلّصاً أكبر، وبات التفكير يجنح نحو السؤال والبحث وعدم التسليم بكل ما يُقال.

عندما عملت الأنظمة الحديثة في المملكة على محاصرة الخطابات الأصولية، وحدّت من تدخل الدين في السياسة، وحصرت دور علماء الدين في الفقه والإرشاد وحسب، من دون أن تكون لهم سلطة على الناس، خفت صوت الدعاة المتشددين السنّة، ونتيجة طبيعية لذلك، تراجعت أهمية الدعاة المتشددين الشيعة، لأن وظيفتهم “الوجودية” التي كانوا يقتاتون منها، أو تبرر الحاجة لهم، انتفت.

السعوديون ليسوا بحاجة لرجال الدين ليدافعوا عنهم، فهم يحتكمون الى “سلطة القانون” وأجهزة الدولة، والتي هي المرجع الذي يفصل بين المتنازعين، ويطبّق الأنظمة على من يثير النعرات المذهبية والعنصرية والمناطقية.

كما أن خروج السعوديين الشيعة من التفكير “الأقلوي”، أي تخلصهم من الشعور بأنهم “أقلية مذهبية”، وتقديم ذواتهم بوصفهم مواطنين سعوديين وحسب، يجعلهم جزءاً من الهوية الوطنية الجامعة التي لا تحتكم إلى أقلية وأكثرية، بل تفخر بتنوعها، وتجعل الجميع على قدم المساواة، من دون أن يكون هناك تفاوت في الدرجات، فالسعوديون سواسية.

انكشاف ضعف الأطروحات الفكرية لسواد كبير من رجال الدين، وترويجهم للخرافة واللاعقلانية والمذهبية، جعل حتى قطاعاً واسعاً من المتدينين ينفرون منهم، ويبحثون عن بدائل تكفل لهم العلاقة السوية بينهم وبين الله من جهة، وعيشهم الحياة بمباهجها ومتعها، من جهة أخرى.

كل ذلك، يضاف له، تنامي الخطاب المدني في أوساط السعوديين الشيعة، وهو خطاب يعمل على الفصل بين الدين والسياسة، وجعل الدين في حدوده التي لا تصيره أداة في الصراعات التياراتية والحزبية.

هذا الخطاب المدني – الوطني، يوماً بعد آخر، يقدم رؤية نقدانية لـ”الشيعية السياسية”، ويصوغ مراجعات جريئة لسرديات رجال الدين، ويساجل المقولات النمطية، ويجعل ركيزته إعمال العقل والتفكير الحر والتخلص من القداسات الكاذبة.

اليوم، السعوديون الشيعة في مرحلة تاريخية مهمة، يتخلصون فيها من ثقل الخطابات الدينية المتشددة السنية والشيعية، ويتحررون من وصايات رجال الدين، وينطلقون في فضائهم الوطني الكبير، من دون عقد أو مخاوف تلقي عليهم بظلالها، لأنهم لا يخشون من مجابهة الواقع، والتعامل معه بشجاعة وحكمة، وتجاوز عثراته، والبناء على منجزاته وهي كثيرة.

*نقلاً عن “النهار

أترك تعليق

          جميع الحقوق محفوظة لشات الرياض - ll6.in      
Generated by Feedzy